الشيخ محمد رشيد رضا
64
الوحي المحمدي
رسالة التوحيد المثل « كلّ الصّيد في جوف الفرا « 1 » » ، فإن بقيت عنده شبهة فالأولى أن يتفضل بزيارتنا لأجل المذاكرة الشفاهية في الموضوع ؛ فإن المشافهة أقوى بيانا ، وأنصع برهانا ، ونحن نعاهده على أن نكتم أمره وإن أبى فليكتب إلينا ما يظهر له من الشبهة على ما في الرسالة والأمالي من الاستدلال على وقوع النبوة بالفعل ، وعند ذلك نسهب في الجواب بما نرجو أن يكون مقنعا ، على أن المشافهة أولى كما هو معقول ، وكما ثبت لنا بالتجربة مع كثير من المشتبهين والمرتابين . أ . ه . جوابنا في المنار « 2 » . هذا وإن ما بينه الأستاذ الإمام في إثبات وقوع الوحي لا يستطيع أحد فهمه حقّ الفهم ، وهو يؤمن بوجود اللّه العلى الحكيم الفاعل المختار إلّا أن يقبله ويذعن له ، فإنه بين أن الوحي والرسالة بالمعنى الذي قرره لازم عقلي لعلمه تعالى وحكمته وكونه هو ( الذي أعطى كلّ شئ خلقه ثمّ هدى ) ، ولا يفهمه حقّ الفهم إلا من أوتى نصيبا من علم الاجتماع وحكمة الوجود وسننه وأصول العقائد ، ونصيبا آخر من بلاغة اللغة العربية ، وأن نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ورسالته يمكن إثباتها بما دون هذه الفلسفة والبلاغة ، وهو ما قهر عقول علماء الإفرنج على تصديق دعوته ، وحمل الماديين على تصويرها بما نبسطه فيما يأتي ونقفى عليه بإثبات بطلانه . تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة قد فصل ( أميل درمنغام ) الشبهة التي أجملها مونتيه بما لم نر مثله لغيره من كتاب الإفرنج ، حتى اغتر بكلامه كثير من المسلمين ، وأنه لحسن الثناء ولكنه يسرّ حسوا في ارتغاء ، فإن كان حكيمنا السيد / جمال الدين قال لبعض مجادلى النصرانية : « إنكم فصلتم قميصا من رقاع العهد القديم وألبستموها للمسيح عليه السلام » . فنحن نقول لهم : « إنكم فصلتم قميصا آخر مما استنبطتم من تاريخ الإسلام لا من نصوصه ، وحاولتم خلعها على محمد صلّى اللّه عليه وسلم » . وإنني أشرح هذه الشبهة بأوضح مما كتبه درمنغام ، وما بلغني عن كل أحد منهم ، ثم أكر عليها بالنقض والدحض ، وأبدأ بمقدماتها وهي عشر :
--> ( 1 ) الفراء - بفتح الفاء مقصورا - اسم لحمار الوحش وهو خير ما يصاد لكبره وكثرة لحمه وجودته ، وأصل المثل أن ثلاثة رجال خرجوا للصيد فاصطاد أحدهم أرنبا والآخر ظبيا ، واصطاد الثالث حمارا وحشيا ، فقال لهما وقد أعجب بما أصاب ( كل الصيد في الفرا ) أي كل ما يصاد يصغر دونه ، كأنه يغيب في جوفه . ( 2 ) الظاهر أن ذلك السائل قد اقتنع بجوابنا إذ لم يكتب لنا بعده شيئا ، وكذلك الأستاذ فقد رضى به وأعجبه .